حين يتكلم الصمت؛ وتنطق الخرسانة..

فضاء للاستشارات الهندسية | آخر تحديث: 18 سبتمبر 2025

كتابة وصياغة فريق العمل


انهيار

في لحظةٍ كان يفترض أن تكون ولادة مشروع، لكنها تحوّلت إلى لحظة موت..


في أعماق أحد المشروعات الكبرى، وعلى رقعة تمتدّ على مساحة 4500 متر مربع، كان كل شيء يسير كما كان يتوقع له أن يتم...


المخططات وُضعت، والمضخات جهزت، والعمال انتشروا بين الأرض والسماء على سقالة بارتفاع 12 مترًا...


بدأ صب الخرسانة، وارتفعت الأنفاس مع كل متر يُسكب، إلى أن نزلت الأطنان بثقلها على الشدة المؤقتة...

ثم سقط كل شيء!



انهار السقف كما ينهار الصمت حين تُفتح أبواب الكارثة.

انهار بمن كان فوقه، وعلى من تحته.

وفي لحظةٍ واحدة، تحوّل مشروع طموح إلى مشهد محزن، وتحوّل المشهد إلى كارثةٍ إنسانية..


الركام لا يكذب..

رغم حرص المالك وتأكيده على إجراءات السلامة، إلا أن المقاول والاستشاري لم يكونا بمستوى الحدث، ولم تكن الكارثة نتيجة خلل في الخلطة، ولا في الحديد...بل كانت مأساة تشهد على أخطاء متراكمة:

  1. - تصميم هندسي غير مكتمل للشدات والدعائم.
  2. - تنفيذ مرتجف لا يرقى إلى مستوى التصميم.
  3. - غياب عيون الخبرة والرقابة في اللحظة الحرجة.
  4. - إدارة عشوائية لأكثر العمليات حساسية؛ الصب على ارتفاع.

الخرسانة لم تكن مذنبة، بل كانت صادقة، لكنها لم تُحمَل بصدق، فصرخت بلغة الانهيار.



من بين الأنقاض... وُلد الوعي

أُسندت مهمة الإشراف لشركة فضاء للاستشارات الهندسية، وحينها لم تكن المسألة إعادة بناء فقط...

كانت استعادة كرامة مهنة، ورد اعتبار لفكرة: أن الهندسة ليست نظريات، ولا تُمارس عن بعد، بل حسابات دقيقة، ومراقبة في الميدان، وضمير يعمل بإخلاص..


بدأت القصة من جديد، لكن هذه المرة بتوفيق الله، ثم وعيٍ هندسيّ لا يترك شاردة ولا واردة دون حساب.


الهندسة إذا حضرت:

  1. - مراجعة دقيقة لتصميم الشدة والدعائم، ليس كخيار بل كواجب، لضمان أن الأحمال لن تفاجئ أحدًا مرة أخرى.

  2. - تدقيق صارم في وجود واستقرار التدعيم الأفقي والقطري، إذ لا تستقيم الشدة الطويلة إلا بتوازن الأجنحة.

  3. - مراقبة ميدانية يومية، عين تفحص ويد تتدخل، لا تقف عند الخطأ بل تسبقه.

  4. - بناء منظومة سلامة متكاملة.. تتنبأ بما بكل ما يمكن أن يحدث وتضع الخطط والبدائل لكل الحالات.. فحص، إخلاء، استجابة، كل ذلك قبل أن "يحدث ما لا يُحمد عقباه"

  5. - تنظيم حركة الخرسانة في الموقع، لا كعربات تسير، بل كتدفق مدروس تتوزع أوزانه كما تتوزع الأنفاس.

  6. - جدولة لحظية لعدد المضخات، من يضخ؟ متى؟ أين؟ ولماذا؟ فكل سؤالٍ لم يُطرح ولم يُجَب عليه بوضوح، قد يُولد صَدعًا.

  7. - مراقب سلامة مع كل مضخة، لأن الثواني تساوي أرواحًا.

  8. - رقابة صارمة على جودة الخلطة الخرسانية، دمج، تجانس، تدفق، لأن الجودة لا تخذل من يحترمها.


هندسة

حين أصبح الصب شهادة لا شبهة فيها

تم تنفيذ السقف من جديد.

لا تشققات، لا أخطاء، لا خسائر...


فقط هندسة تتكلم.

لقد تحقق النجاح لأن الهندسة لم تكن حبرًا على ورق، بل روحًا في الميدان؛ تعليمات، وإجراءات، ورقابة.

ولأن المهندس لم يكن موقّعًا على تقرير، بل حارسًا على سلامة.

ولأن كل خطوة كانت تصدر من وعي، وتراقب بعين، وتُنفّذ بضمير.


الدرس الذي لا يُنسى

  1. لا يُبنى سقفٌ آمن دون قرار هندسي صحيح، ومراقبة ميدانية صارمة.
  2. لا تكفي الخرسانة وحدها لتمنحك الأمان، ما لم يسبقها عقل هندسي واعي.
  3. المهندس المشرف ليس مجرد اسم، بل هو الضامن -بعد الله- لسلامة الأرواح والبُنيان.


وأخيرا.. فالمهندس الواعي لا يصنع الهياكل فقط، بل يصنع الحياة بإذن الله..


شارك هذا المقال