عندما تكذب الأرقام ويصدقها العالم وينفيها الواقع

آخر تحديث: 10 مارس 2026 | المهندس خالد العجمي

في عالم إدارة المخاطر، كثيرًا ما يُستشهد بـ “مثلث هاينريش" بوصفه الأساس الذي بُنيت عليه معظم نظريات السلامة الحديثة. لكن ماذا لو كان هذا المثلث مبنيًا على أرقام مغلوطة؟ ماذا لو كانت الأسطورة التي تعلمناها عن العلاقة بين الحوادث البسيطة والخطيرة مجرد خرافة مريحة لا أكثر؟


بداية الحكاية: فريدريك هاينريش ومثلثه الشهير

في ثلاثينيات القرن الماضي، قدم "هربرت ويليام هاينريش" نموذجًا أصبح علامة فارقة في مجال السلامة المهنية. قال ببساطة:

"مقابل كل حادث قاتل، هناك 29 حادثًا بإصابات طفيفة، و300 حادثًا بدون إصابات."


هذا النموذج البسيط الرقمي لاقى رواجًا واسعًا، وتم اعتماده لاحقًا كأساس لرسم السياسات الوقائية في أماكن العمل، خاصة في المصانع والمواقع الهندسية.


لكن المفاجأة أن هاينريش لم يعتمد على بيانات إحصائية دقيقة، بل جمع ملاحظات من تقارير غير موثقة بشكل جيد، ومعظمها من موظفين غير مدربين على جمع البيانات. لم تكن هناك مراجعات علمية أو دراسات ميدانية معمقة تؤكد هذه النسب. بعبارة أخرى، الأرقام كذبت... وصدّقناها.


بين المشكلة والمخاطرة: فهم الفارق الجوهري

هنا يجب أن نُميّز بين "المشكلة" و"المخاطرة."


المشكلة هي حدث وقع فعلاً ويتطلب حلًا.

المخاطرة هي احتمال وقوع حدث غير مرغوب في المستقبل.


التعامل مع المشكلة يعني استجابة وإصلاح، بينما إدارة المخاطر تتطلب توقع وتحليل واستعداد. الخلط بين الاثنين شائع، لكنه قد يؤدي إلى قرارات خاطئة.


من هاينريش إلى أدوات العصر الحديث

مع تطور الفكر الإداري، ظهرت أدوات وتحليلات أكثر واقعية ومنهجية مثل:


SWOT تحليل (نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات )

يُستخدم لتقييم الوضع الاستراتيجي لأي مشروع أو مؤسسة.


PESTEL تحليل

يدرس العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتقنية، والبيئية والقانونية

خريطة المخاطر (Risk Matrix)

: تربط بين احتمال وقوع الحدث وتأثيره.

FMEA (Failure Mode and Effects Analysis) أو MFEAتحليل

أداة قوية لتحديد طرق الفشل المحتملة في نظام أو مشروع وتقييم خطورتها.


خطة إدارة المخاطر في مشروع فعلي – مثال على بنك

لنفترض أنك تملك مخططًا لمشروع إنشاء فرع جديد لبنك كبير مثل الراجحي. كيف تبدأ بخطة إدارة المخاطر؟

1- تحديد المخاطر: تأخر في توريد المواد، أخطاء في التصميم، أعطال كهربائية، حوادث في الموقع، مقاولي الباطن غير الملتزمين.

2-تحليل المخاطر: نستخدم مصفوفة المخاطر لتقييم كل خطر من حيث الاحتمال والتأثير.

3-تخطيط الاستجابة

تجنب الخطر (مثلاً: استخدام موردين بديلين).

تقليل الخطر (بزيادة وسائل السلامة والتدريب).

نقل الخطر (عن طريق التأمين).

تقبل الخطر (إذا كانت الخسارة محدودة).

4-المتابعة والتحكم: راقب، قيّم، عدل الخطة باستمرار


الدروس المستفادة:

الأرقام ليست مقدسة… والشك فضيلة

لم يكن هدف المقال نسف إرث هاينريش، بل إعادة قراءته بعين ناقدة. النقد والشك هما الأساس للوصول الى جوهر الحقائق.

فالعالم يتغير، والبيانات اليوم أكثر دقة من أي وقت مضى. علينا أن نُعيد النظر دائمًا فيما نعتقد أنه "حقائق"، خاصة إن كانت تبنى عليها قرارات تمس الأرواح والموارد.

فالمخاطر لا تُدار بالانطباعات... بل بالفهم والواقعية.

شارك هذا المقال