على الصعيد الشخصي، وبشكل عام؛ يمثل عملي في شركة فضاء للاستشارات الهندسية منذ قدومي للمملكة العربية السعودية في عام 2008 تجربة مهنية ثرية ومصدر فخر واعتزاز. أعتز بكوني أحد المهندسين الذين عايشوا التطور الذي تشهده الشركة، كما أعتز بالخبرات التي اكتسبتها منها في تعزيز الممارسات الهندسية ومعايير تنفيذ المشاريع.
أفتخر وأعتز بهذه المسيرة المهنية؛ وثمة فخر واعتزاز آخر لي وهي مسيرة لم تتشكّل فقط من سنوات العمل والخبرات المتراكمة، بل من تجارب وخبرات صاغها المكان قبل أن تصوغها المهنة. فأغلب مسيرتي المهنية، كانت في مشاريع الشركة في أقدس بقاع الأرض؛ في مكة المكرمة..
والعمل في مكة المكرمة ليس شأنًا عابرًا، بل تجربة تترك أثرها العميق في النفس، وتُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعمله.
لقد تشرفت بالعمل ومنذ 2010على مشاريع تتبع أمانة العاصمة المقدسة ، ومشاريع أخرى لشركة المياه الوطنية ، وهما جهتان تمثلان العمود الفقري لخدمة المدينة المقدسة وضيوفها. ومع كل مشروع، كنا ندرك أن ما نقوم به لا يخدم منشأة أو موقعًا فحسب، بل يخدم إنسانًا جاء محمّلًا بالشوق والدعاء ، قاصدًا بيت الله الحرام.
في مشاريع أمانة العاصمة المقدسة ، كنا نشرف على تنفيذ مشاريع في المكان الذي يحتضن ملايين الخطوات، وملايين اللحظات الإيمانية. الطرق، الساحات، المرافق، والبنية التحتية لم تكن عناصر جامدة في نظرنا، بل مسارات تُيسِّر العبادة، ومساحات تُخفف الزحام، وتفاصيل تُسهم في شعور الحاج والمعتمر بالأمان والسكينة. وهذا الإدراك جعلنا أكثر حرصًا، وأكثر تواضعًا أمام حجم المسؤولية.
أما مشاريع شركة المياه الوطنية ، فقد لامست فينا معنى مختلفًا؛ فالماء في مكة ليس مجرد احتياج للحياة، بل هو امتداد لمعنى السقيا والرحمة. والمشاركة في مشاريع تضمن استدامته وجودته خلال مواسم الحج والعمرة جعلتنا نشعر بأننا نؤدي عملًا يتجاوز الواجبات الوظيفية، ليصل إلى أداء عبادة تقربنا إلى الله .
ومع مرور الوقت، أدركنا أن الأثر الأكبر لهذه المشاريع لم يكن فقط فيما أنجزناه على الأرض، بل فيما أنجزته في دواخلنا . فقد علّمنا العمل في مكة أن نراجع نياتنا باستمرار، وأن نربط الإتقان بالمسؤولية، وأن نؤمن بأن العمل حين يُؤدّى بصدق يصبح عبادة. كنا نشعر أن التعب هنا له معنى، وأن الضغط له حكمة، وأن الصبر هنا يُكافأ بشعور داخلي لا يُوصف.
لقد أثّر هذا العمل في روحانيتنا كموظفين وعاملين في هذه المشاريع ؛ جعل للعمل معنى، وللجهد أثر، وللمكان رسالة، وجعلنا أكثر وعيًا بأثر القرار الفني، وأكثر التزامًا بالجودة، ليس خوفًا من التقصير، بل احترامًا لقدسية المكان وخدمة من قصده ، كما انعكس هذا الأثر على علاقتنا ببعضنا كفريق عمل، وعلاقتنا مع إدارة الشركة الموقرة، حيث نما بيننا شعور مشترك بأننا نحمل رسالة واحدة، ونعمل لهدف أسمى من مجرد إنجاز مشروع.
وبعد أكثر من عقد من الزمان، وحيث ما زلت أعمل في هذا المكان الطاهر، لا يزال هذا الارتباط مصدر فخر واعتزاز عميق لي شخصيا. فأن يكون للإنسان نصيب - مهما كان متواضعًا - في خدمة مكة المكرمة وضيوف الرحمن، هو شرف لا يُقاس بالألقاب ولا بالإنجازات المادية. ونسأل الله أن يجعل ما قدمناه خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا الأجر على النية قبل العمل، وعلى الصدق قبل النتائج، وأن يديم على هذا البلد وأهله وقيادته أمنه ورخاؤه وعزه.