في قلب المدن المزدحمة والمواقع المحاطة بمنشآت قائمة، تتحوّل أعمال الحفر العميق من مجرد خطوة إنشائية إلى تحدٍّ هندسي معقد. كل حركة في التربة قد تؤثر على ما حولها، وكل قرار في موقع المشروع قد يحمل معه تبعات غير متوقعة على الأراضي والمباني المجاورة.في هذا المقال، نستعرض تجربة هندسية حقيقية واجهت خلالها أعمال دق الخوازيق مشكلة اهتزازات أثّرت على قطعة أرض مجاورة، ونكشف بالتفصيل كيف تحولت طريقة التنفيذ إلى الحفر الدوار كحل أكثر أمانًا، مع توضيح الفرق الفني بين الطريقتين، والدروس المستفادة من هذه التجربة الواقعية.
بداية المشكلة
كان المشروع عبارة عن مبنى تجاري متعدد الأدوار في موقع ضيق نسبيًا وسط منطقة عمرانية قائمة، وكان يلزم الحفر حتى عمق يقارب 8 أمتار للوصول إلى منسوب التأسيس. طبيعة التربة الرملية المفككة زادت من خطورة الانهيارات، لذا تقرر استخدام خوازيق متقاطعة كسند لجوانب الحفر (Secant Piles)، وهي عبارة عن صف من الخوازيق تنفذ بحيث يتداخل جزء منها مع بعض لتكون جدارا متصلا يمنع تسرب التربة او المياه، تُنفّذ بطريقة الدق الميكانيكي.
لكن مع بدء تنفيذ هذه الخوازيق بطريقة الدق الميكانيكي قرب قطعة الجار، ظهرت مؤشرات مثيرة للقلق منها:
- اهتزازات شديدة شعر بها العمال وسكان القطعة المجاورة.
- شروخ شعرية في سور قطعة الجار.
- تغير طفيف في منسوب بعض النقاط داخل القطعة المجاورة.
تحليل أسباب المشكلة
تبين من التحليل السريع أن المشكلة تعود إلى:
- استخدام طريقة الدق الميكانيكي التي تعتمد على إسقاط مطرقة حديدية ضخمة على رؤوس الخوازيق، ما يولّد موجات صدم قوية جدًا تنتقل في التربة وتؤثر سلبا على أي منشآت مجاورة.
- عدم تنفيذ دراسة تفصيلية مسبقة لتأثير الاهتزازات (Vibration Study).
- قرب المسافة بين خط الخوازيق وحدود قطعة الجار.
- عدم وجود نظام مراقبة مبكر لحركة التربة منذ البداية (Inclinometers و Settlement Markers).
الخطة التصحيحية
تم إيقاف أعمال الدق الميكانيكي فورًا في المنطقة القريبة من قطعة الجار، وتم عرض كامل المشكلة على مدراء المشاريع والإدارة العليا للمكتب وتم اتخاذ قرارًا فنيًا مهمًا وهو استبدال طريقة الدق الميكانيكي بتنفيذ الخوازيق بالحفر الدوار (Bored Piles).
الحفر الدوار ليس طريقة تصميم خوازيق، بل هو طريقة تنفيذ، الخازوق ينفذ بالحفر التدريجي باستخدام بريمة أو مثقاب دوار بدلا من الدق وبالتالي يمكن تنفيذ خوازبق متقاطعة بالحفر الدوار لتكوين جدار ساند متداخل دون الاعتماد على الدق الميكانيكي الذي يسبب اهتزازات عالية.
هنا قد يتساءل القارئ
أليس الحفر الدوار أيضًا يتم بمعدات ضخمة تُصدر اهتزازات؟
الفرق الفني الهام:
في الدق الميكانيكي: تُستخدم مطرقة تسقط بقوة، فتولّد موجات صدم عالية جدًا (high peak acceleration)، وهذه أخطر على التربة والمنشآت المجاورة.
أما في الحفر الدوار: تعمل المعدة كمثقاب أو برغي يدور ببطء ليحفر التربة تدريجيًا، فتنتج اهتزازات أقل بكثير (low amplitude, long duration)، بدون موجات صدم مفاجئة، وهو ما يجعله الاختيار الأمثل قرب مبانٍ قائمة أو مواقع حساسة.
إجراءات داعمة:
- تركيب أجهزة مراقبة دقيقة (Inclinometers, Settlement Markers)، لزوم رصد أي حركة في التربة أو أي ميل في الأسوار.
- سرعة اصلاح الأضرار الطفيفة التي ظهرت في سور قطعة الجار.
- التواصل مع مالك قطعة الجار لشرح ما حدث وخطة المعالجة، والتعهد بالتعويض أو الترميم عند الحاجة.
الدروس المستفادة:
- أهمية إجراء دراسة شاملة لتأثير الاهتزازات قبل البدء، خاصةً في التربة الرملية أو بجوار منشآت قائمة.
- التفكير المبكر في استخدام طرق تنفيذ أقل تأثيرًا مثل الحفر الدوار.
- تركيب نظام مراقبة حركة التربة منذ بداية المشروع لمتابعة الوضع باستمرار.
- الشفافية والتواصل الجيد مع ملاك الأراضي المجاورة للحفاظ على الثقة وتقليل الخسائر وتجنب النزاعات.
الخلاصة الفنية:
في المشروعات الواقعة وسط بيئة عمرانية مزدحمة اختيار طريقة تنفيذ الخوازيق ليس مجرد تفصيل بسيط، بل قرار هندسي استراتيجي. فمثلا الدق الميكانيكي يولد موجات صدم قوية تؤثر سلبًا على التربة والمنشآت المجاورة بينما الحفر الدوار ينتج اهتزازا أقل وأبطأ تأثيرا فيكون الخيار الأمثل في المواقع الحساسة. ونجاح المشروع هنا لم يكن مجرد تغيير طريقة، بل كان نتيجة وعي هندسي مدروس لتجنب المخاطر ودراسة شاملة للتربة ومراقبة لحظية دقيقة وتعاون صادق مع الأطراف المجاورة، وهكذا تثبت الهندسة المدنية أنها ليست مجرد خرسانة وحديد، بل فن في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب حفاظا على سلامة الناس والمباني.